أدب

كيفية تحليل النص الأدبي

كُتب بواسطة إيمان العماري

يواجه أغلبية التلاميذ مشكلة في تحليل النص الأدبي بسبب عدم امتلاكهم للأدوات التي تخولهم من قنص مقاصد النص وأهدافه نتيجة خلو أغلبية المناهج الدراسية من مواد ناقدة للنص الأدبي أو واضعة لقواعد منهجية في تحليله.

إذا ما وضع أمامنا النص، وجب علينا قراءته بتمعن، وبينما نقرأ نقوم بوضع سطر تحت كل كلمة استعصى علينا فهمها لنقوم بشرحها في القاموس، كما يجب أن لا نغفل عن قراءة معاني الكلمات المقدمة شروحها في إطار صغير في نهاية النص؛ أي بعد كتابة اسم المؤلف وذكر مصدر النص وعدد الصفحات.

وفي عملية القراءة يجب أن لا نتسرع في إطلاق الأحكام على النص حتى ننتهي منه كليًا، ونكون قد قمنا بتفسير جميع الكلمات غير المفهومة.

والآن بعد أن قمنا بالأشياء التي يجب فعلها قبل الشروع في تحليل النص؛ وهي ما تعرف بمرحلة “ما قبل التحليل” Pre-analysis Stage، علينا القيام بما يلي لفهم معاني النص ومراميه:

  • التعرف على الكاتب: التعرف على سيرة الكاتب الذاتية لنعرف توجهاته الفكرية حتى لا نقع في خطأ تأويل أفكاره.
    مثال: إذا قرأنا نصًا لـ كارل ماركس، فإن أفكاره على الأرجح لن تكون إلا عن الطبقية الاجتماعية ونصرة المسحوقين ماديًا في المجتمع.
  • تكوين أفكار عن النص: بعد أن أصبح لدينا فكرة واضحة عن توجهات الكاتب وأفكاره، وبالتالي إتّضاح مقاصده ومراميه، صار بإمكاننا تكوين أفكار عن النص وربطها بما نعرفه من “معلومات سابقة” Pre-knowledge تكون إما شبيهة بما استنتجناه من أفكار أو متناقضة معها أو ناقدة لها.
    مثال: إذا كان النص الذي نتناوله لـ جون بول سارتر عن “الوجودية” Existentialism، إستعنا بـ إمانويل ليفيناس لدحضها.
  • معرفة المعاني الصريحة والمبطّنة: يجب أن نعي أن العمل الأدبي -مهما عرف عن كاتبه من جرأة ووضوح في المقاصد- أنه عمل “مرمز/مشفر” Codified/Codifié بامتياز، وبالتالي فإن المعاني المعلنة الصريحة أقل بكثير من المعاني المبطّنة، يعني أن ما يُكتب تلميحًا بين السطور يفوق ما يُكتب تصريحًا فوق السطور.
    مثال: يقول ابن المقفع عن “كليلة ودمنة”: “قد جُمع هذا الكتاب لهوا وحكمة فاجتباه الحكماء لحكمه والسخفاء للهوه.”، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن “كليلة ودمنة” قصتان؛ واحدة واضحة لا تتعدى اللهو والإلهاء والثانية عميقة تصيب الهدف في مقتل.
  • فهم الترميز: يجب أن ندرك أن الترميز يشمل النص من عنوانه حتى آخر كلمة فيه، وأننا -مدعومين بالأفكار التي يتبناها الكاتب- يصير باستطاعتنا تقديم تحليل يتميز ليس فقط بالعمق، بل أيضًا بالإبداع، إذ يصير خلق واستخراج المعاني من الكلمات المشفرة عملًا شيقًا يقودنا إلى ربط المعاني ببعضها البعض بطريقة فنية تقودنا بدورها إلى الطرق الإحترافية.
    مثال: عنوان مثل “حدث أبو هريرة قال” لرواية محمود المسعدي الوجودية يبدو للوهلة الأولى دينيًا إذا ما لم تكن لنا دراية بالترميز، لكنه وبعد التعرف على توجهات الكاتب يبدو أقرب إلى “هكذا تكلم زرادشت” لـ فريدريك نيتشه.
  • معرفة الفترة الزمنية: يجب أخذ الفترة الزمنية التي أنتج فيها النص بعين الإعتبار، فما كان يواجه بالعبوس في زمن ما قبل الحداثة يحتفى به في زمن ما بعد الحداثة، وأن الرموز مرتبطة إرتباطًا وثيقًا بالفترة الزمنية.
    مثال: عندما كتب برام ستوكر رواية “دراكولا” سنة 1897؛ أي نهاية القرن العشرين تحديدًا في العصر الفكتوري في بريطانيا، كان مصاص الدماء القادم من أقاصي الشرق (ترانسلفانيا) -التي يقذف معناها الرعب في النفوس “البلد وراء الغابة” (وهي الترجمة الحرفية لكلمة ترانسلفانيا الرومانية)- غازيًا إنجلترا المتحضرة يرمز إلى التخلف والخرافات والطاعون القادمين من الشرق المتخلف إلى الغرب العقلاني المتحضر، على عكس ما يرمز له مصاص الدماء في الكتابات العصرية من كمال ورقي إنساني باعتباره خالدًا لا يموت ومتمتعًا بالجمال والقوة الخالدين.
  • ارتباط الفترة الزمنية بنمط الكتابة: تستطيع الفترة الزمنية التي أنتج فيها النص كذلك تحديد نمط كتابة الكاتب لنصه، واستعماله لأساليب فنية معينة تعيننا على فهم مقاصد النص وأهدافه.
    مثال: في “فترة الحداثة” Modernism، كانت موضة الكتابة أن يمعن الكاتب في الوصف وأن يغدق على نصه من جميل الكلمات وأعقدها (المنفلوطي مثالًا)، على عكس فترة “ما بعد الحداثة” Postmodernism عندما صار النص عبارة عن سرد كلامي بسيط ومجرد من أي زخرف لفظي (ليلى بعلبكي ومحمد شكري مثالًا).
  • حركة أحداث النص (1): “حركة أحداث النص” Implotment يجب أن تأخذ هي الأخرى بعين الاعتبار، أي إذا كانت الأحداث تؤول إلى نهاية وتحلحل للعقدة أو ولادة أو إذا ما نطقت شخصية من الشخصيات بكلمة ترمز إلى شيء من النور أو إذا ما شهدت أحداث إنتهاء النص مكانًا مغايرًا لذاك الذي إبتدأ فيه، كأن تكون أحداث البداية مثلًا قد دارت في الصحراء (القحط واليباب) وتنتهي عند هطول المطر، نستطيع حينها أن نقول أن الكاتب يخلق نورًا في نهاية النفق وأنه متفائل بغدِ أفضل، أما إذا كان العكس؛ أي أن تؤول الأحداث إلى زيادة توتر، فإن الكاتب متشائم لا يرى غير النصف الفارغ من الكأس.
    مثال: عندما أنهى غسان كنفاني “رجال في الشمس” بـ: “لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟” كان يعني أن الشخصيات الفلسطينية الميتة إختناقًا داخل الخزان هي الشعب الفلسطيني الميت لا محالة قبل رجوعه إلى موطنه.
  • حركة أحداث النص (2): أما إذا ما انتهت الأحداث في نفس المكان الذي إبتدأت منه أو إذا ما اختتمت إحدى الشخصيات الرواية بعبارة قالتها أو عمل قامت به في بداية الرواية، فهذا يعني اتخاذ الرواية شكل الحلقة المفرغة الفارغة من أي معنى إيجابيًا كان أو سلبيًا، نقول حينها أن الكاتب لا يكتب بل ينقل فترة زمنية أو مشاعر جامدة تتبع تفكيكية جاك ديريدا Deconstruction في “تأجيل المعنى” Differance of Meaning، فتنتهي الرواية من دون معنى يذكر أو يستنتج.
    مثال: قام غراهم سويفت بإنهاء روايته “أرض الماء” Waterland في نفس بركة الماء التي افتتح بها روايته.
  • دخول شخصية الكاتب: يمكن للكاتب اختيار شخصية تمثّله أو تتحدث على لسانه في محاولة لانصهار الكاتب والمكتوب، فيصبح الحاجز بينهما ضبابيًا أو منعدمًا كالحاجز المنصهر.
    مثال: بين جورج برنارد شو وألفريد دوليتل في مسرحية برنارد شو “بيغماليون”، كلاهما ساخر ولامبالي بعبقرية، وبذلك نكون قد رجعنا لأول نقطة وهي معرفة توجهات الكاتب الفكرية وسيرته الذاتية حتى نتمكن من فك رموز مقاصده.
  • تسمية الشخصيات: يذهب الكاتب في الترميز إلى تسميته لشخصياته، فليست تسمية الشخصيات اعتباطية.
    مثال: ليس من الاعتباطي مثلًا أن يسمي ألدوس هاكسلي شخصية روايته الأساسية بـ مصطفى موند في “عالم جديد شجاع” Brave New World، أو أن يسمي جيمس جويس بطل روايته “صورة للفنان في صغره” A Portrait of the Artist as a Young Man بـ ديدالس، و هو العبقري الذي صنع أجنحة لنفسه وابنه وفقًا للأساطير الإغريقية وطارًا بعيدًا عن المشاكل والأمثلة متعددة.

تعد الخطوات آنفة الذكر مهمة لتحليل النص أكاديميًا والإحاطة بمعانيه من جميع الجهات، وهي لا تختلف كثيرًا عن تحليل القصيدة الشعرية.

المصدر:

عبد الله إبن المقفع - كليلة ودمنة - باب عرض الكتاب - ص16, غسان كنفاني - رجال في الشمس - ص73

عن الكاتب

إيمان العماري

قارءة شغوفة للأدب العربي والعالمي حاصلة على شهادة ماجستير في الأدب الإنكليزي، أهدف إلى منح القارئ الأدوات التي تساعده لسبر غِمار الأدب.

2 تعليقان

اترك تعليقًا